ابن أبي مخرمة

464

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

لقد خبّرت أن عليك دينا * فزد في رقم دينك واقض ديني فوصله وقضى دينه . ودخل عليه بعض الشعراء وأنشده : [ من البسيط ] اللّه أجرى من الأرزاق أكثرها * على يديك بعلم يا أبا دلف ما خط لا كاتباه في صحيفته * كما تخطط لا في سائر الصحف بارى الرياح فأعطى وهي جارية * حتى إذا وقفت أعطى ولم يقف ومما يحكى من حسن ذكائه وسرعة جوابه أن المأمون قال : أنت الذي يقول فيك الشاعر : [ من المديد ] إنما الدنيا أبو دلف * بين بادية ومحتضره فإذا ولى أبو دلف * ولت الدنيا على أثره فقال : لست كذلك يا أمير المؤمنين ، ولكنني الذي يقول فيه علي بن جبلة : [ من الطويل ] أبا دلف يا أكذب الناس كلّهم * سواي فإني في مديحك أكذب يحكى أنه أغمي عليه في مرض موته ، فأفاق وقال : من بالباب ؟ فقالوا : عشرة من خراسان يزعمون أنهم أشراف ، فقال : أدخلوهم ، فسألهم عن حاجتهم ، فأخبروه بأنهم فقراء وعليهم دين فقصدوه لقضاء حوائجهم ، فأعطى كل واحد منهم عشرة آلاف درهم - أو دينار ، الشك مني - وأمر أن يكتب كل واحد منهم نسبه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم يكتب في آخر ذلك : يا رسول اللّه ؛ إنه لحقني فاقة ، وركبني دين ، فقصدت أبا دلف ، فقضى ديني وحاجتي ، ثم أمر بالأوراق أن تدفن معه بعد موته ، وزود الأشراف بجميع ما يحتاجونه إلى بلدهم وقال : احفظوا هذه الدراهم لقضاء ديونكم ، وسد فاقتكم ، فدعوا له وانصرفوا ، رحمه اللّه . وحكي عن ابنه دلف أنه رآه بعد موته في المنام في دار وحشة وعرة ، سوداء الحيطان ، مقلعة السقوف والأبواب ، مشوهة البنيان ، وأن أباه أبا دلف في غرفة منها في حيطانها أثر النيران ، وفي أرضها أثر الرماد ، وهو عريان واضع رأسه بين ركبتيه كالحزين ، ندمان ، قال : فقال لي كالمستفهم : دلف ؟ قلت : دلف ، فأنشأ يقول : [ من الخفيف ] أبلغن أهلها ولا تخف عنهم * ما لقينا في البرزخ الخناق